عندما يغلق أمامنا باب من أبواب الأمل ، قد تفتح لنا أبواب أخرى ولكننا لا نراها لأنّنا نمضي الوقت في الحسرة على الباب المغلق ، فتفائل و لا تتحسر على الماضي. "
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كشكول جعفر الخابوري الاسبوعي( كتاب)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر الخابوري
Admin
avatar

المساهمات : 131
تاريخ التسجيل : 10/08/2015

مُساهمةموضوع: كشكول جعفر الخابوري الاسبوعي( كتاب)   السبت يوليو 02, 2016 8:47 am

باص «عتيج»
سعيد محمد

في مطلع الثمانينات، عندما كنا في المرحلة الإعدادية، كانت الأوقات التي نمشي فيها من قريتي (البلاد القديم) وصولاً إلى محطة النقل العام في الصالحية ذهاباً إلى سوق المنامة.. كانت من أجمل الأوقات وأكثرها قرباً إلى معنى (المغامرة) بالنسبة لنا خاصةً حين يتكرر ذهابنا ليومين أو ثلاثة متتابعة لشراء ملابس العيد بأنفسنا.

وكالمعتاد، يتواجد في محطة النقل العام عدد من رجال ونساء القرية ونحن معهم ننتظر وصول الحافلة، ثم ذهاباً وإياباً يكون لأحاديث الحافلة مذاقٌ خاصٌّ، ويكون لدوّار (السلمانية) وقعٌ خاصٌّ أيضاً، فهذا الدوّار الذي كان يقع مقابل مستشفى الطب النفسي من جهة الشمال (موقع الإشارات الضوئية الآن) كان يمثل بحق تحفة رائعة حيث كانت البلدية آنذاك تبدع في أشكال المزروعات والأشجار المحيطة بالدوار... فتارةً على هيئة خيول تجري وتارة على أشكال فخارية، وفي ذلك الوقت، لم يكن الوضع كما هو اليوم حيث لا ازدحامات مرهقة ولا تأخير في الذهاب والوصول.

باص «عتيج»، وهو رجل بحريني له ملامح الغوص وجسارة البحر، ويُقال إنه من أهل مدينة عيسى وآخرين يقولون إنه من أهل المحرق، هو الباص الذي يفضله أهل قريتي... لم يكن بالطبع ضمن حافلات النقل العام الحكومية ذات اللونين الأحمر والأبيض، بل كانت حافلة خاصة باللون الأزرق يقسمها من منتصفها شريط أبيض، وكان العم «عتيج»، ولا أدري إن كان قد غادر الدنيا ليرحمه الله أو لايزال على قيد الحياة فيطيل الله في عمره، كان محبوباً لدى الجميع، وتربطه علاقات قوية جداً مع معظم أهالي القرى.

على الأقل، بالنسبة لنا ونحن في المرحلة العمرية بين 10 و15 سنة من أبناء القرية، كنا نسترق السمع للكبار وهم يتحدثون في طريق الذهاب والإياب، وفي موضوعات شتَّى تسيطر عليها السياسة بالدرجة الأولى، ويحتدم النقاش بطبيعة الحال وتختلف الآراء ولربما هدأت الحافلة حين يهتف أحد الناس: «ما عليه يا جماعة الخير صَلُّوا على النبي... اخزوا الشيطان»... وأتذكّر من رجال القرية ممن كنّا نعتاد على رؤيتهم في باص «عتيق» كثيراً كونهم يقصدون السوق المركزي، أو سوق المنامة القديم وتحديداً (سوق الأربعاء) حينما كان مجاوراً لسوق الحدّادة في ذلك الوقت، أتذكّر منهم المرحوم الحاج علي الجفيري والمرحوم الحاج سلمان الصيرفي والمرحوم الحاج علي موسى، ومنهم أيضاً المرحوم منصور سرحان والحاج إبراهيم الخال والمرحوم الحاج أحمد غلوم والمرحوم الحاج علي العلي والمرحوم (غلوم البيّاع)، وغيرهم كثيرون لا أتذكرهم قطعاً.

ميزة «عتيج» هي ميزة كل البحرينيين ممن يجمعهم الارتباط والانتماء وعشق الوطن (البحرين) دون تفرقة مذهبية أو طائفية، فذلك الباص يمثل كل المكونات: السنّة والشيعة والهوَلة والعجم والوافدين، وبالطبع، لم يكن المجتمع يخلو من مثيري الفتنة والنعرات الطائفية الخبيثة، لكنهم في الحقيقة، ليسوا كما هم الآن من ناحية الشدة والقوة والبطش والتأثير بسبب امتلاكهم للمال والنفوذ والإعلام، بل لأنّ هناك من يصفق لهم كثيراً، أما في باص «عتيج» فأي طائفي أو تكفيري أو متشدد كائن من يكون، يتحول في رحلة الباص تلك إلى شخص منبوذ (دنيء) حين يرى الغالبية (نظيفين) وليس على شاكلته وما علق به من قذارة طائفية.

أغلب الأحاديث كانت تدور آنذاك حول تطورات وأخبار المنطقة من بينها حرب الخليج الأولى ولربما اختلطت فيها أحاديث عن أسطورة خرافة (أبو قرون) أو (الفارس الملثم)، إلا أنه على رغم محدودية تأثير الصوت الإعلامي واعتماد الناس على وسائل (تواصل اجتماعي واتصال) تقليدية للغاية، لكن الوعي كان (جوهرياً)... أي معرفة مقرونة بالعمل الصالح المفيد للمجتمع وليس كما هو الآن... زبدة القول في باص «عتيج»، أنه يمثل نموذجاً ملهماً في الأزمات أستغرب شخصياً غيابه في أزمة بلادنا الغالية... أستغرب تواري غياب وتأثير وصوت رجال الأعمال، التجار، علماء الدين، المثقفين... أي الشخصيات والوجهاء ممن يتوجب أن تكون لهم قنوات تواصل مع الدولة للتباحث في شئون البلد... في باص «عتيج» لم يكن أحد يجرؤ على تكفير أحد أو سلب انتماء ووطنية أحد أو تجاوز الحدود أو النيل من الوطن أو قيادته أو شعبه... لم يكن أحداً ليجرؤ على نشر الغربان والجرذان والآفات في حقل الوطن.


صحيفة الوسط البحرينية - العدد 5047 - السبت 02 يوليو 2016م

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ijdfkgjfki.ba7r.biz
جعفر الخابوري
Admin
avatar

المساهمات : 131
تاريخ التسجيل : 10/08/2015

مُساهمةموضوع: رد: كشكول جعفر الخابوري الاسبوعي( كتاب)   السبت يوليو 02, 2016 8:50 am

اضمحلال الدولة العربية
عبدالنبي العكري

ورثت معظم البلدان العربية غداة الاستقلال أنماطاً من بنية الدولة وتشريعاتها ومؤسساتها وآلياتها، وهي محصلة عدة مؤشرات ومنها الموروث التاريخي، والتركة الاستعمارية، ودرجة التطور الحضاري، وتأثير المحيط الإقليمي، والثروة الطبيعة، وغيرها.

ويمكن القول إنه وفي بعض البلدان المتطورة مثل المغرب العربي، ومصر وبلاد الشام والعراق، فقد كانت بنية الدولة ومؤسساتها وتشريعاتها وآلياتها معقولة، وكان يمكن لدولة الاستقلال أن تبني عليها لإقامة الدولة الديمقراطية الحديثة ذات المؤسسات والتقاليد الإدارية. ولو ألقينا نظرة إلى الوراء على بنية الدولة في المغرب وتونس ومصر والعراق وسورية مثلا، وبغض النظر عن تباين أنظمة الحكم وميراثها الحضاري، وطبيعة الاستعمار، والتركيبة السكانية، فقد كانت هناك بنية دولة مستقرة، ومؤسسات معقولة، وآليات للحكم فاعلة.

في جميع هذه البلدان التي خضعت للاستعمار أو الحماية البريطانية أو الفرنسية، كان هناك غداة الاستقلال رأس الدولة ملكا له قدر من الشرعية التاريخية، أو رئيس جمهورية يحظى بالقبول الشعبي والتوافق السياسي. ففي المغرب كان هناك الملك محمد الخامس بما له من رصيد وطني، واستمرارية حكم العلويين، وفي تونس كان هناك الحبيب بورقيبة ذي شعبية طاغية ووطنية، وفي مصر وفي ظل الحماية البريطانية فقد كانت تحكمها الأسرة المنحدرة من محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، وفي سورية كان أول رئيس للجمهورية نورالدين الميداني ذا الرصيد في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وفي العراق كانت هناك أسرة الهاشميين بما لهم من رمزية دينية. ولا يعني ذلك أنه كانت هناك ملكية دستورية على غرار الممالك الأوروبية الدستورية، أو رئاسة جمهورية بالانتخاب الحر وتداول السلطة، ولكن كان هناك أسرة حاكمة أو رئاسة جمهورية مقبولة نوعاً مَّا، كما أنه وفي جميع هذه البلدان فقد كانت هناك تعددية حزبية قاصرة، على رغم كون الكثير من الأحزاب ذات قيادات إقطاعية وموالية للحكم، لا تعبر عن القاعدة الشعبية، بل انه وفي أحيان كثيرة فقد كان يتناوب على الحكم ما يعرف بأحزاب القصر، وتقتصر على حزبين أو ثلاثة في الغالب. ممثلة في مصر الأحرار والدستوريين والوفد، وفي المغرب الاستقلال والأحرار وهكذا، وبالنسبة إلى المجالس النيابية، فقد كان يجرى انتخابها من خلال انتخابات دورية، وتداول الأحزاب على غالبية المجلس، صحيح أن الملك قد لا يكلف رئيس وزراء ينتمي إلى حزب الغالبية، لكن كان تجري مراعاة ذلك في تكليف زعيم حزب أو ائتلاف أحزاب بتشكيل الحكومة. وبالنسبة إلى الجهاز الحكومي، فقد كان مستقرا نسبيا، وعلى رغم الوساطات والاعتبارات العديدة في تعيين كبار الموظفين، فقد كانت الكوادر الوسطى ذات كفاءة.

وبالنسبة إلى القضاء لم يكن مستقلا تماما، ولكن لم يكن الحاكم يملي على القضاء أحكامه، ولم يكن هناك شطط كبير في سير العدالة.

وبنظرة سريعة، فإذا ما راجعنا حصيلة الاضطهاد السياسي، والذي كان قائما بالتأكيد سواء بالإعدام أو القتل أو السجن والنفي أو الطرد من الوظيفة أو الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية، فإنها لا تقاس بما يجرى حاليا في بلداننا العربية، وكان السلم الأهلي سائدا، في حين أننا نعيش حالة تتراوح ما بين الاضطراب والحرب الأهلية.

كان يمكن البناء على ما هو موجود نحو الأفضل، وتطوير بنية الدولة واستكمال تشريعاتها، وفصل السلطات، وضمان حياة سياسية وحزبية تنافسية متعايشة، وتعزيز استقلال القضاء وخصوصا ان هذه البلدان كانت تشهد تقدما تعليميا وعلميا حثيثا وتطورا في الوعي والثقافة، والانفتاح على العالم، واقتصادا مستقرا، بل إن العراق مثلا الذي تدفقت فيه على الدولة عوائد النفط الوفيرة قد استحدث مجلس الإعمار للقيام بمشاريع البنية التحتية الكبرى.

ومن يراجع الأفلام والصور التوثيقية لمرحلة الخمسينات مثلا يلحظ الرقي الحضاري للحياة والتحرر السائد في العلاقات الاجتماعية والانفتاح فيما بين أتباع مختلف الأديان والمذاهب والأعراق إلى حد الزواج المختلط بين مكوناتها. لكن ذلك انتكس بسرعة فيماعدا المغرب وتونس الى حدٍّ ما.

إغراء السلطة، وتراث من الاستبداد وثقافة التسلط أثرت سلبيا على عقيدة إدارة الحكم سواء من قبل رأس الدولة ملكا أو رئيس جمهورية أو من قبل الطبقة الحاكمة، والمتنفذين في السياسة، وفي تحالف لا مبدئي بين القصر والطبقة السياسية. فمثلا شتان ما بين الملك فيصل والوصي على العرش الأمير عبدالاله في العراق، وما بين الملك محمد الخامس وابنه الملك الحسن الثاني، وما بين الملك فؤاد وابنه الملك فاروق، كما أن نخب الطبقة السياسية لم تكن على مستوى رجال دولة، فقد عمدوا في أكثر من بلد إلى ممالأة الحاكم، والعمل على احتكار السلطة وجني المنافع وهذا يتجسد في رئيسي الوزراء المتناوبين في العراق صالح جبر ونوري السعيد على سبيل المثال، أو علال الفاسي والورزازي في المغرب، وهكذا شهدت هذه البلدان تطبيق نظام الأحكام العرفية، والقوانين الاستثنائية وحل البرلمان عندما يخرج عن الطاعة، والتدخل في شئون القضاء بشكل فج، وغياب العدالة الاجتماعية مع توسع الهوة ما بين غالبية الشعب من جهة وأصحاب الامتيازات من إقطاعيين ورأسماليين وكبار الموظفين من ناحية أخرى. وهكذا يتم التعبير عن رفض النظام من خلال انفجارات عنيفة كما حدث في وثبة كانون بالعراق، وانتفاضة 8 مارس في المغرب، واضطرابات حلوان في مصر، وفي الاحتجاجات الواسعة للطلبة والعمال والجماهير عموما، لكن الانحدار السريع للدولة العربية، هو نتيجة استعصاء التغير السلمي من داخل النظام وبوسائل سليمة مشروعة، ويضاف إلى ذلك نكبة العرب الكبرى في فلسطين، وتقزيم التوحد العربي في إطار جامعة الدول العربية الكسيحة، ولذلك جرى التفكير بالانقلاب على الحكم من خلال ضباط الجيش الوطنيين المتحمسين، لكن بعضهم طامع في السلطة أصلا.

وبدلا من أن يكون دور العسكر مؤقتا ويؤمن الانتقال لنظام عقلاني مدني عادل يؤمن الحريات والعدالة الشعبية ويستند إلى إرادة شعبية، تحول العسكر إلى طبقة حاكمة جديدة، أسوأ في بعض الحالات من الحكم الذي انقلبوا عليه؛ بل تحول الحكم إلى استبداد مديد، واحتكار للسلطة والثروة، وتدمير الكثير من بنى الدولة وآلياتها من خلال إزاحة مكوناتها المستقرة، وتعيين المحازبين أو الأقارب أو التبع في مراكز القيادة. وجرى إلغاء التعددية الحزبية على علاتها وتكريس حكم الحزب الواحد، أو الأحزاب الواجهة، وتراجعت تعددية الصحافة لتصبح الصحافة والإعلام أبواقاً للسلطة ومناشيرها الدعاوية، أما البرلمانات فتخاض أحيانا بقوائم مغلقة من قبل الحزب الحاكم وأتباعه ويجرى تزويرها بكل صفاقة، وهكذا أضحت البرلمانات مجالس لتمجيد الحاكم والسلطة في مسرحيات فجة من التزلف والنفاق.

تدريجيًّا تضمحل الدولة بضوابطها وآلياتها، لتسيطر النخبة الحاكمة على مفاصلها، وتكيف التشريعات والآليات لفرض إرادتها ومصالحها، ويتضخم الجهاز التنفيذي والقوات المسلحة والأمن، وبالطبع المخابرات التي أضحت المقرر في سير الدولة. بل وجرى فبركة الحزب الحاكم ليهيمن على الدولة، ويغرف من موازنتها بحيث أضحى العمل السياسي وظيفة حكومية وليس خدمة تطوعية عامة. وهذا ينطبق على حزب البعث في العراق وسورية، كما الاتحاد الاشتراكي في مصر. لم يعد هناك تناوب على السلطة أو الحكم، ولم تعد هناك حدود لدور وسيطرة وإملاءات السلطة التنفيذية، ولم تعد هناك استقلالية نسبية لأجهزة الدولة التي من المفترض أن تقدم خدماتها لجميع المواطنين بالعدل والقانون، بل أضحت الدولة تختزل أحياناً في شخص الحاكم القائد الرمز البطل الخارق، سواء أكان ملكاً أو رئيساً مؤبداً، بحيث إن سقوطه يؤدي إلى تفكك أجهزة الدولة برمتها، وتعم حالة من الفوضى بل ويؤدي ذلك الى اضطرابات أو حرب أهلية كما جرى في العراق وليبيا واليمن.

والعرب اليوم وهم في ظل أزمة لا سابق لها، فعليهم إعادة الاعتبار للدولة وتحييدها من الصراعات السياسية، وإعادة بنائها على أسس مدنية ووطنية لا طائفية ولا قبلية ولا عرقية ولا دينية ولا مذهبية، دولة قادرة على تأمين استقلال الوطن وحماية ترابه الوطني، وضمان الأمن الداخلي والقيام بالوظائف الخدمية مثل التعليم والتطبيب وغيرهما، وإقامة البنية التحتية وصيانتها، وتأمين التنمية المستدامة، والرفاهية والتقدم والسلم الأهلي، وتأمين سير حياة الناس بأمان ويسر وعدل. وتحت سقف هذه الدولة يتم الصراع السياسي السلمي وتجديد اختيارات المواطنين السياسية من خلال انتخابات تشريعية وبلدية دورية ونزيهة تنبثق عنها حكومة تنال ثقة المجلس النيابي، وتحكم استناداً إلى برنامج واضح في إطار الدستور والقوانين. وكذلك وجود حياة سياسية تعددية ذات معنى تسهم في خلق روح المواطنة والمشاركة السياسية والرقابة، إلى جانب مجتمع مدني من منظمات ونقابات ومؤسسات تطوعية تشكل مكوناً مهمّاً في بنية الدولة وتنظيم المجتمع. هل أنا أحلم؟ يبدو ذلك وسط وضع كارثي معروف.


صحيفة الوسط البحرينية - العدد 5047 - السبت 02 يوليو 2016م

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ijdfkgjfki.ba7r.biz
جعفر الخابوري
Admin
avatar

المساهمات : 131
تاريخ التسجيل : 10/08/2015

مُساهمةموضوع: رد: كشكول جعفر الخابوري الاسبوعي( كتاب)   السبت يوليو 02, 2016 8:52 am

يومٌ هندي في القمر
محمد عبدالله محمد

دعونا نرجع بالذاكرة قليلاً. ففي الـ 22 من أكتوبر/ تشرين الأول 2008م بثت قنوات تلفزيونية هندية مشاهد فرح عارمة من داخل قاعة كبيرة مليئة بشاشات ضخمة وأجهزة بث دقيقة. تلك المشاهد تعود إلى علماء فضاء هنود وهم يُصفقون مبتهجون أثناء رَمقِهِم صاروخاً عملاقاً يحمل مركبة فضائية أطلقوها توّاً في ذلك التاريخ. وقد كَتَبَتْ إحدى تلك القنوات على شاشتها عبارة لافتة: «الوجهة القمر.. يوم تاريخي للهند». وهو فعلاً يومٌ هام في تاريخ الهند التي ما زال البعض يعتقد خطأً أنها فقط تُنتج 1100 فيلم سينمائي في العام، أو أنها تُصدِّر 70 في المئة من بهارات العالَم.

أذكر هذا وقد قرأنا قبل أسابيع خبر إطلاق الهند 20 قمراً اصطناعياً دفعة واحدة ليصبح مجموع ما أطلقته حتى الآن 113 قمراً اصطناعياً. وقد وصف رئيس المنظمة الهندية لأبحاث الفضاء كيران كومار تلك المهمّة بأنها أشبه «بتحرير سرب من الطيور في الفضاء». لكن ما يُلفِت في الأمر أن 74 قمراً من تلك الأقمار هي لصالح جهات غير هندية، بل إن أغلبهم أميركيين، أي أن المسألة لها بُعد تجاري. والهند تعلم أن صناعة الفضاء تُشكِّل سوقاً مُربحة حيث بات حجمها 300 مليار دولار.

قبل 7 سنوات، كَشَفَتْ الهند للعالم أمراً مهماً بعيداً عن لحظة انبهار الصورة التي أشرنا إليها، وهو اكتشافهم ثلوجاً موجودة على سطح القمر. فقد ذكرت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) أن جهازها M3 والمعني بكشف المعادن قد وجَدَ جزيئات من الماء في كل أنحاء سطح القمر، لكن المهم من كل ذلك هو معرفة أن الذي صنع ونقل ذلك الجهاز هم الهنود وعبر مركبة فضاء هندية اسمها «شاندرايان» وهي تتبع منظمة بحوث الفضاء الهندية. كانت صناعة هندية خالصة أثارت الإعجاب.

وفي الوقت الذي كان فيه جيم جرين وهو مدير إدارة علوم الكواكب في وكالة ناسا يقول بأن: «ثلوج المياه على القمر أصبحت شيئاً من الكأس المقدسة بالنسبة للعلماء المعنيين بشؤون القمر»، نرى أن الهند في الجهة الأخرى قد تجاوزت معرفة وجود ذلك الماء أو وجود هيدروكسيل في القمر، أو استخدام جهاز اسبكتروميتر لكسر الموجات الضوئية وتحليل العناصر والمواد الكيميائية المنعكسة للتعرف على المياه (كما قيل) إلى شيء أكبر! تُرى ما هو؟

لقد كانوا يبحثون ومنذ نوفمبر 2008م عندما أرسلوا (وبنجاح) مجسّاً للقطب الجنوبي للقمر عن أحد أهم النظائر النادرة للغاية في كوكب الأرض وهو (هيليوم ثري) والمستخدَم في عملية الاندماج النووي. لقد ظهر للهنود أن جميع الأبحاث العلمية تشير إلى أن القمر يضم كميات أكبر مما هو موجود في الأرض، لكن تبقى عملية الحصول عليه واستخراجه معقدة وتحتاج إلى تجارب مُعمَّقة.

واليوم، عندما تُطلق نيودلهي عشرين قمراً اصطناعياً قبل أيام، فهو ليس بغريب عليها، لأنها كانت وقبل سبعة أعوام قد أرسلت عشرة أقمار اصطناعية في مدار بصاروخ واحد، حيث بقيت عامين وهي تبحث عن الماء والمعادن النفيسة. وللعلم فإنهم (أي الهنود) وقبل عامين أطلقوا مسباراً في مدار حول كوكب المريخ ونجحوا في ذلك من المرة الأولى، وبتكلفة «تعادل نحو عُشْر تكلفة أحدث مهمة أميركية للمريخ» وهو ما يعني أنهم باتوا في منافسة قوية مع الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، ما جعلها الدولة «الأصلح» والأكثر «زخماً» كي تَلِجَ النادي الثلاثي: أميركا وأوروبا وروسيا.

الحقيقة وأمام هذه الحقائق في بلد متطور وفي منطقة وسيطة من عالمنا العربي يدفعنا بالضرورة كعرب للتفكير في العلاقة معه جيداً. فالهند بلد ضخم وبه عمالة كبيرة وسوقه كبيرة. وقد أظهرت الاحصائيات أن الشعب الهندي يُشكِّل 17.5 في المئة من سكان العالم. وهو قطبٌ وازن في قارة آسيا، ويحظى باحترام أغلب الدول في العالم، وبالتحديد الدول الأساسية في التكتلات الاقتصادية، وهو ما يجعله مؤهلٌ لأن يُستَفادُ منه من قِبَلنا كعرب.

تاريخياً كان بين الهند وبيننا وشائج قوية، مُدَّت عبر جنوب الجزيرة العربية منذ آلاف السنين. فالصلات العربية الهندية جذَّرها التبادل التجاريّ والثقافي منذ ما قبل الإسلام، وتوطّدت بعد ظهوره ودخول الدين إلى ذلك البلد. وقد كتب في ذلك السيد سليمان الندوي بحثاً جيداً ومفصلاً. وللعلم فإن عدد المسلمين في الهند يصل إلى 170 مليوناً و400 ألف نسمة. ما يعني أن للعرب عمقاً ثقافياً مشتركاً مع ذلك البلد. وهو أمر «قد» يكون غائباً عن الكثيرين مع الأسف.

نعم، قد تكون مسألة تجسير العلاقة مع الهند تعني أشياء أخرى بالنسبة لبقية العلاقات الأخرى في آسيا، سواء مع الصين أو اليابان أو باكستان بل وحتى روسيا ومنطقة النمور، لكن ما يجب أن يُفهَم لدى كل تلك الدول، أن المصالح التي قد تجمع العرب والهنود لكنها لا تعني أبداً أنها خصومة مع أحد، بل ربما تصبح عاملاً مساعداً لتسوية مشكلات أخرى يكون العرب وسيطاً فيها.


صحيفة الوسط البحرينية - العدد 5047 - السبت 02 يوليو 2016م

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ijdfkgjfki.ba7r.biz
جعفر الخابوري
Admin
avatar

المساهمات : 131
تاريخ التسجيل : 10/08/2015

مُساهمةموضوع: رد: كشكول جعفر الخابوري الاسبوعي( كتاب)   السبت يوليو 02, 2016 8:53 am

الاستهلاك... الإعلان وموت المخيلة
سوسن دهنيم

الأمم التي تستهلك أكثر مما تنتج هي فقيرة في مخيلتها أساساً، كي لا نقول منعدمة المخيلة، إذ لا يترك الاستهلاك في حدوده المتنامية، مدىً من تفكير أو إبداع أو خروج غير مألوفٍ بشيء يقنع الأمة التي تنتمي إلى ذلك الاستهلاك بأن مخيلتها مازالت بخير.

لو كانت المخيلة بما تتيحه من طرق تفكير وإبداع حاضرة لدى تلك الأمم لتجاوزت حالة استهلاكها منذ عقود، ولكانت - على أقل تقدير - في الصفوف التي ينظر إليها باحترام من قبل دول وأمم العالم.

في الجانب الآخر من الصورة، هنالك أمم تستهلك الكثير ولكنها تستهلك ما تنتجه وتبدعه وما تفتق عن تجريبها وتطبيقاتها ومحاولاتها التي لا تتوقف، وما فاض من ذلك الإنتاج يجد طريقه إلى أسواق العالم بعد إحداث تعديلات على بعض ما تنتجه كي تتواءم مع متطلبات وإمكانات الأمة التي أدمنت الاستهلاك من دون أن تبذل أبسط العناء في البحث عن الفارق في ما تستقبله وتستهلكه.

لدى مثل تلك الأمم طاقة مفتوحة على المخيلة، وهذا هو لب موضوع هذا المقال، إشارة إلى الطرق التي يتم بها الترويج لبضاعة أو سلعة فيها.

لا يمكن الاستهتار أو الاستخفاف بعقليتها وطرق استقبالها لترويج السلعة. هنالك هيئات وظيفتها ضبط جودة الإعلان والترويج لأي سلعة، والضبط يتعلق في الدرجة الأولى بالمحتوى الذي يتم به التوجه إلى المستهلك، وذلك يعني بذل جهود إبداعية تتفتق عنها مخيلة جيوش من العاملين في شركات الدعاية والإعلان، وتحذر وتتجنب السطحية الفجة من جهة، واستنساخ الأفكار من جهة ثانية، والمغالاة في تقديم السلعة من خلال العمل الترويجي، وهي مغالاة تمس محتوى التقديم وموضوعه أساساً، من جهة ثالثة.

وتكفي متابعة سريعة لنماذج من الفقرات الإعلانية التي تعج بها بعض القنوات الفضائية الأجنبية، التي هي بمثابة استراحة فعلية فيها من الفن والإبداع والقيمة الشيء الكثير، وذلك يشير بالضرورة إلى الهائل واللافت من فعل المخيلة، ولن تجد كثيرين يعمدون إلى التحول بجهاز التحكم نحو قنوات أخرى هروباً من الفقرات تلك، فثمة اشتغال نفسي وفلسفة تقوم عليها تلك الأعمال الترويجية والدعائية، مركزها الرهان على إبقاء المشاهد مع تلك الفقرات، لخفة الروح فيها والسلاسة والأفكار الجديدة والجرأة أحياناً. فلسفة تقوم على: الإعلان الذي ينفر منه المشاهد أو المستهلك يهدد مستقبل أي سلعة وحتى سلطة، باعتبار الإعلان نوعاً من أنواع السلطة، ويهدد صناعة الإعلان نفسها.

أكثر جلسات العصف الذهني في شركات الدعاية والإعلان هدفها تحصين المخيلة من أن يصيبها العطب والشيخوخة، وحين تصاب بهما يعني ذلك خروجها الحتمي من السوق في ظل منافسة شديدة وشرسة لا تقبل بوجود السذج والذين لا يرون أبعد من أقدامهم.

في جانب الشرق المستهلك، عربياً وإسلامياً، تشير الصورة إلى موت المخيلة، لا ضمورها فحسب، في كثير مما يقدم في هذا الفضاء. لا بيت في الشرق العربي والإسلامي لا تمثل له الفقرات الإعلانية اقتحاماً وبتراً لمتعة مشغول بها، لا بيت من أولئك لا يصاب بحال من القرف والضجر كلما قطعت الفقرات الإعلانية عليه متابعة فيلم أو برنامج حواري أو مسلسل. هذا الضجر وذلك الهروب منه، يكشف عن فشل صناع تلك الإعلانات والمخيلات البائسة التي تقف وراءها، ومع ذلك، يظل الاستهلاك في ازدياد وتنامٍ، ولو كانت السلعة الإعلانية فجة وليست ذات قيمة، في موقف مناقض للصورة الأولى.

في شهر رمضان المبارك يكون التنافس بين الشركات والمؤسسات المنتجة للسلع على اختلافها، ومن بينها الاتصالات، على أشده، وهو تنافس يبرز صوراً لسذاجة الذين يقفون وراء إنتاج تلك الحملات، وسذاجة المستهلك في الشرق الذي نعنيه، بدليل ما يقدم له من مواد ترويجية غاية في السذاجة و «العبط» والاستخفاف بعقليته، مع ضمان أن السلعة ستجد طريقها إلى المستهلك!

لهذا السبب يمكن فهم نفور الجمهور (المشاهد) العربي من الفقرات الإعلانية في معظم القنوات الفضائية الرسمية والخاصة. كأن الإعلانات تلك تذكر الجمهور المتسمر أمام الشاشة بواقع سذاجة استهلاكه أو ربما سذاجته.

وفيما يتعلق بقيام هيئات تضبط جودة ومحتوى الإعلان في الشرق العربي والإسلامي الغارق في الاستهلاك حتى أخمص قدميه، فالأمر يعد ترفاً بل يصل إلى حد الهراء. فمن يعبأ بمثل ذلك الضبط أو الجودة مادامت عجلة الاستهلاك تدور ويتم تشحيمها كلما أبطأت، بمزيد من إعلانات السذاجة الفارغة من قيمتها.

أمة متورطة وغارقة في الاستهلاك، لن تنتج عنها مخيلة على مستوى الإعلان، من حيث ضمورها وسذاجة وسطحية محتوى ما تقدمه. كأن السذاجة والسطحية على توازٍ مع سذاجة وسطحية الاستهلاك المفتوح على كل شيء، ولا شيء غير ذلك.


صحيفة الوسط البحرينية - العدد 5047 - السبت 02 يوليو 2016م

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ijdfkgjfki.ba7r.biz
 
كشكول جعفر الخابوري الاسبوعي( كتاب)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جعفر عبد الكريم الخابوري :: كشكول جعفر الخابوري الاسبوعي-
انتقل الى: